الشيخ محمد عبده
31
رسالة التوحيد
كما لا يكون الواجب مركبا لا يكون قابلا للقسمة 41 في أحد الامتدادات الثلاث ، أي لا يكون له امتداد ؛ لأنه لو قبل القسمة لعاد بها إلى غير وجوده الأول ، وصار إلى وجودات متعددة ، وهي وجودات الأجزاء الحاصلة من القسمة ، فيكون ذلك قبولا للعدم أو تركبا ، وكلاهما محال كما سبق . الحياة معنى الوجود وإن كان بديهيا عند العقل ولكنه يتمثل له بالظهور ثم الثبات والاستقرار . وكمال الوجود وقوته بكمال هذا المعنى وقوته بالبداهة . كل مرتبة من مراتب الوجود تستتبع بالضرورة من الصفات الوجودية ما هو كمال لتلك المرتبة في المعنى السابق ذكره ، وإلا كان الوجود لمرتبة سواها ، وقد فرض لها . ما يتجلى للنفس من مثل الوجود لا ينحصر . وأكمل مثال في أي مراتبه ما كان مقرونا بالنظام والكون على وجه ليس فيه خلل ولا تشويش . فإن كان ذلك النظام بحيث يستتبع وجودا مستمرا وإن في النوع كان أدل على كمال المعنى الوجودي في صاحب المثال . فإن تجلت للنفس مرتبة من مراتب الوجود على أن تكون مصدرا لكل نظام كان ذلك عنوانا على أنها أكمل المراتب وأعلاها ، وأرفعها وأقواها . وجود الواجب : هو مصدر كل وجود ممكن - كما قلنا - وظهر بالبرهان القاطع ، فهو بحكم ذلك أقوى الوجودات وأعلاها فهو يستتبع من الصفات الوجودية ما يلائم تلك المرتبة العليا ، وكل ما تصوره العقل كمالا في الوجود - من حيث ما يحيط به من معنى الثبات والاستقرار والظهور وأمكن أن يكون له - وجب أن يثبت له 42 وكونه مصدرا للنظام وتصريف الأعمال على وجه لا اضطراب فيه يعد من كمال الوجود - كما ذكرنا - فيجب أن يكون ذلك ثابتا له . فالوجود الواجب يستتبع من الصفات الوجودية التي تقتضيها هذه المرتبة ما يمكن أن يكون له .